فخر الدين الرازي
476
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
والنبوة في قوم مخصوصين ، وأن الفضل بيد اللَّه يؤتيه من يشاء ولا اعتراض عليه في ذلك أصلا أما القول الثاني : وهو أن لفظة ( لا ) غير زائدة ، فاعلم أن الضمير في قوله : أَلَّا يَقْدِرُونَ عائد إلى الرسول وأصحابه ، والتقدير : لئلا يعلم أهل الكتاب أن النبي والمؤمنين لا يقدرون على شيء من فضل اللَّه ، وأنهم إذا لم يعلموا أنهم لا يقدرون عليه فقد علموا أنهم يقدرون عليه ، ثم قال : وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ أي وليعلموا أن الفضل بيد اللَّه ، فيصير التقدير : إنا فعلنا كذا وكذا لئلا يعتقد أهل الكتاب أنهم يقدرون على حصر فضل اللَّه وإحسانه في أقوام معينين ، وليعتقدوا أن الفضل بيد اللَّه ، واعلم أن هذا القول ليس فيه إلا أنا أضمرنا فيه زيادة ، فقلنا في قوله : وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ تقدير وليعتقدوا أن الفضل بيد اللّه وأما القول الأول : فقد افتقرنا فيه إلى حذف شيء موجد ، ومن المعلوم أن الإضمار أولى من الحذف ، لأن الكلام إذا افتقر إلى الإضمار لم يوهم ظاهره باطلا أصلا ، أما إذا افتقر إلى الحذف كان ظاهره موهما للباطل ، فعلمنا أن هذا القول أولى واللَّه أعلم . المسألة الثانية : قال صاحب الكشاف قرئ : ( لكي يعلم ) ، و ( لكيلا يعلم ) ، و ( ليعلم ) ، و ( لأن يعلم ) ، بإدغام النون في الياء ، وحكى ابن جني في « المحتسب » عن قطرب : أنه روي عن الحسن : ( ليلا ) ، بكسر اللام وسكون الياء ، وحكى ابن مجاهد عنه ليلا بفتح اللام وجزم الياء من غير همز ، قال ابن جني : وما ذكر قطرب أقرب ، وذلك لأن الهمزة إذا حذفت بقي لنلا فيجب إدغام النون في اللام فيصير للا فتجتمع اللامات فتجعل الوسطى لسكونها وانكسار ما قبلها ياء فيصير ليلا ، وأما رواية ابن مجاهد عنه ، فالوجه فيه أن لام الجر إذا أضفته إلى المضمر فتحته تقول له : فمنهم من قاس المظهر عليه ، حكى أبو عبيدة أن بعضهم قرأ : وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ [ إبراهيم : 46 ] . وأما قوله تعالى : وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ أي في ملكه وتصرفه واليد مثل يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ لأنه قادر مختار يفعل بحسب الاختيار وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ والعظيم لا بد وأن يكون إحسانه عظيما ، والمراد تعظيم حال محمد صلى اللّه عليه وسلم في نبوته وشرعه وكتابه ، واللَّه أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب ، والحمد للَّه رب العالمين ، وصلى اللَّه على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .